محمد بن جرير الطبري

152

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ . يقول تعالى ذكره : وهؤلاء الذين إن فدوا أنفسهم من عذاب الله يوم القيامة كل فداء لم يؤخذ منهم ، هم الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا يقول : أسلموا لعذاب الله ، فرهنوا به جزاء بما كسبوا في الدنيا من الآثام والأوزار . لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ والحميم : هو الحار في كلام العرب ، وإنما هو محموم صرف إلى فعيل ، ومنه قيل للحمام : حمام ، لإسخانه الجسم ؛ ومنه قول مرقش : في كل ممسى لها مقطرة * فيها كباء معد وحميم يعني بذلك ماء حارا ؛ ومنه قول أبي ذويب الهذلي في صفة فرس : تأبى بدرتها إذا ما استغضبت * إلا الحميم فإنه يتبضع يعني بالحميم : عرق الفرس . وإنما جعل تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية شرابا من حميم ، لأن الحار من الماء لا يروي من عطش ، فأخبر أنهم إذا عطشوا في جهنم لم يغاثوا بماء يرويهم ، ولكن بما يزيدون به عطشا على ما بهم من العطش ، وَعَذابٌ أَلِيمٌ يقول : ولهم أيضا مع الشراب الحميم من الله العذاب الأليم والهوان المقيم . بِما كانُوا يَكْفُرُونَ يقول : بما كان من كفرهم في الدنيا بالله وإنكارهم توحيده وعبادتهم معه آلهة دونه . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا قال : يقال : أسلموا . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا قال : فضحوا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا قال : أخذوا بما كسبوا . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم على حجته على مشركي قومه من عبدة الأوثان ، يقول له تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأنداد والآمرين لك باتباع دينهم وعبادة الأصنام معهم ، أندعو من دون الله حجرا أو خشبا لا يقدر على نفعنا أو ضرنا ، فنخصه بالعبادة دون الله ، وندع عبادة الذي بيده الضر والنفع والحياة والموت ، إن كنتم تعقلون فتميزون بين الخير والشر ، فلا شك أنكم تعلمون أن خدمة ما يرتجى نفعه ويرهب ضره أحق وأولى من خدمة من لا يرجى نفعه ولا يخشى ضره . وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا يقول : ونرد إلى أدبارنا فنرجع القهقري خلفنا لم نظفر بحاجتنا . وقد بينا معنى الرد على العقب ، وأن العرب تقول لكل طالب حاجة لم يظفر بها رد على عقبيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وإنما يراد به في هذا الموضع : ونرد من الإسلام إلى الكفر بعد إذ هدانا الله فوفقنا له ، فيكون مثلنا في ذلك مثل الرجل الذي استتبعه الشيطان يهوى في الأرض حيران . وقوله : اسْتَهْوَتْهُ استفعلته ، من قول القائل : هوى فلان إلى كذا يهوي إليه ، ومن قول الله تعالى ذكره :